محمد سعيد رمضان البوطي
242
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
على جواز عقد هدنة بين المسلمين وأهل الحرب من أعدائهم إلى مدة معلومة ، سواء أكان ذلك بعوض يأخذونه منهم أم بغير عوض ، أما بدون عوض فلأن هدنة الحديبية كانت كذلك ، وأما بعوض فبقياس الأولى لأنها إذا جازت بدون عوض ، فلأن تجوز بعوض أقرب وأوجه . وأما إذا كانت المصالحة على مال يبذله المسلمون ، فهو غير جائز عند جمهور المسلمين ، لما فيه من الصغار لهم ، ولأنه لم يثبت دليل من الكتاب أو السّنة على جواز ذلك ، قالوا : إلا إن دعت إليه ضرورة لا محيص عنها وهو أن يخاف المسلمون الهلاك أو الأسر فيجوز ، كما يجوز للأسير فداء نفسه بالمال . سادسا : ذهب الشافعي وأحمد رضي اللّه عنهما وكثير من الأئمة إلى أن الصلح لا ينبغي أن يكون إلا إلى مدة معلومة ، وأنه لا يجوز أن تزيد المدة على عشر سنوات مهما طالت ، لأنها هي المدة التي صالح النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قريشا عليها عام الحديبية . سابعا : الشروط في عقد الهدنة تنقسم إلى صحيحة وباطلة ، فالصحيح كل شرط لا يخالف نصّا في كتاب اللّه أو سنّة نبيّه ، مثل أن يشترط عليهم مالا أو معونة للمسلمين عند الحاجة ، أو أن يشترط لهم أن يرد من جاءه من الرجال مسلما أو بأمان ، ولقد أطلق الأئمة صحة هذا الشرط الأخير ، ما عدا الشافعي رضي اللّه عنه ، فقد شرط لذلك أن تكون له عشيرة تحميه بين الكافرين ، وحمل على ذلك موافقة النّبي صلّى اللّه عليه وسلم على هذا الشرط لقريش « 14 » . والباطل ، كل شرط فيه معارضة لحكم شرعي ثابت ، ومنه أن يشترط ردّ النساء المسلمات أو مهورهن إليهم ، أو إعطائهم شيئا من سلاح المسلمين أو أموالهم . وأساس الاستدلال على هذا عدم ردّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم النساء اللاتي جئن هاربات بدينهن ، ونهي القرآن صراحة عن ذلك ، كما مرّ بيانه في حينه . ولعلك تقول : أفلم يخالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بذلك عهدا قطعه على نفسه ، وذلك إذ وافق على ردّ كل من أتاه مسلما من مكة ؟ . . والجواب أن ذلك ليس نصّا في خصوص النساء ، بل يحتمل أنه لا ينحطّ إلا على الرجال وحدهم . ومهما يكن فقد علمت فيما سبق أن تصرفات النّبي صلّى اللّه عليه وسلم لا تكتسب قوة الحكم الشرعي إلا إذا أقرها الكتاب بالسكوت عليها أو التأكيد لها . ولقد أقرّ الكتاب كل بنود المصالحة ، إلا ما يتعلق بردّ النساء إلى بلد الكفر ، فلم يقرّه ، وذلك على فرض دخوله في بنود الاتفاقية وشروطها . ثامنا : ( حكم الإحصار في العمرة والحج ) ، ودلّ عمل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بعد الفراغ من أمر
--> ( 14 ) راجع للتوسع في موضوع الهدنة ، مغني المحتاج : 4 / 260 ، والمغني لابن قدامة : 9 / 290 ، والهداية : 2 / 103 ، وبداية المجتهد : 1 / 374